أحمد مصطفى المراغي
101
تفسير المراغي
وقد حكى المفسرون في أسباب الخسف أمورا كثيرة هي غاية في الغرابة يبعد أن نصدقها العقول ، ومن ثم قال الرازي : إنها مضطربة متعارضة ، فالأولى طرحها والاكتفاء بما دل عليه نص القرآن ، وتفويض سائر التفاصيل إلى عالم الغيب ا ه . ولما شاهد قوم قارون ما نزل به من العذاب ، صار ذلك زاجرا لهم عن حب الدنيا ومخالفة موسى ، وداعما إلى الرضا بقضاء اللّه وبما قسمه ، وإلى إظهار الطاعة والانقياد لأنبيائه ورسله ، كما أشار إلى ذلك بقوله : ( وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ ) أي فلما خسف اللّه بقارون الأرض ؛ أصبح قومه يقولون : إن كثرة المال والتمتع بزخارف الدنيا ، لا تدل على رضا اللّه عن صاحبه ؛ فاللّه يعطى ويمنع ويوسع ويضيّق ، ويرفع ويخفض ، وله الحكمة التامة ، والحجة البالغة ، لا معقب لحكمه . وقد روى عن ابن مسعود مرفوعا « إن اللّه قسم بينكم أخلاقكم ، كما قسم بينكم أرزاقكم ، وإن اللّه يعطى المال من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطى الإيمان إلا من يحبّ » . ولما لاح لهم من واقعة أمره أن الرزق بيد اللّه يصرّفه كيف يشاء ، أتبعوه بما يدل على أنهم اعتقدوا أن اللّه قادر على كل ما يريد من رزق وغيره فقالوا : ( لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ) أي لولا لطف اللّه بنا لخسف بنا كما خسف به ، لأنا وددنا أن نكون مثله . ثم زادوا ما سبق توكيدا بقولهم : ( وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ) لنعمه المكذبون برسله وبما وعدوا به من ثواب لآخرة ، كما كان شأن قارون . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 83 إلى 84 ] تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 83 ) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 84 )